حيدر حب الله

512

الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)

وفي سياق رصدنا لسائر مرجعيّات النقد المتني ، توقّفنا عند اتخاذ الممارسات الإسلاميّة موقفاً متحفّظاً إزاء اعتماد العلم الحديث والدراسات العقليّة أساساً للنقد المتني وإن كانت تقبل به من الناحية النظرية ، والسبب في ذلك يعود إلى قلّة الوثوق بتفاصيل المعطيات العلمية التي يُنظر إليها بوصفها نظريات وليست حقائق ثابتة ؛ لكثرة التبدّل والتحوّل فيها ، ومن ثمّ فالنقد المتني وفقاً لأصول العلم والعقل يحتاج إلى جهود أكبر واحتياط بدرجة أعلى كي لا تُهدر السنّة بأيّ ادّعاءٍ علمي لم يحسم أو يصبح حقيقة ثابتة ، ومن هنا فصّلنا بين العقل الاستدلالي والعقل الاستبعادي في الموضوع . وفي إطار شيعي إمامي ، رأينا أنّ القبول بالسنّة المؤسّسة لأهل البيت في الاعتقاد الإمامي يقلّص من فرص النقد المتني ، على خلاف رفض هذه النظرية كما هو الصحيح الذي ذهب إليه جماعة من علماء المذهب الإمامي أيضاً ؛ وذلك أنّ النصوص الواردة عن أهل البيت مما لا عين له ولا أثر في الكتاب الكريم ولا في المنقولات النبويّة ولو بنحو العموم بحيث لا يمكن أن يكون موجوداً دون أن ينقل عن الحقبة النبويّة ، هذه النصوص إذا رفضنا فكرة تأسيسيّة سنّة أهل البيت فسوف تقع موقع الشك متناً أو يفرض ذلك تفسيرها بوصفها قوانين زمنية ذات مصالح وقتية ، وليست تشريعات دينيّة ، وبهذا تكون نظريّة السنّة المؤسسة لأهل البيت أحد معقوات النقد المتني في بعض الحالات . وفي محاولتنا رصد هويّة الدور الذي يلعبه النقد المتني ، ذهبنا إلى أنّ نقد المتن يبطل النصّ كلًا أو جزءاً ، ولكنّه لا يقدر - وفق القواعد المتوفّرة له اليوم - أن يثبت نصّاً لوحده ، ونحن وإن كنا لا نميل إلى اعتماد المنهج السندي منهجاً وحيداً في الإثبات التاريخي للحديث ، لكننا نرى أنّ المنهج المتني لا يكفي للإثبات لوحده أيضاً ، خلافاً لمحاولات بعض العلماء المتأخّرين في هذا الصدد ، ونجد أنّ الجمع بين المنهجين : السندي والمتني ، هو الأوفر حظاً في التوصّل إلى إثبات تاريخي أفضل للسيرة والنصوص الحديثيّة .